سيد محمد طنطاوي

364

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والغثاء : هو اليابس الجاف من النبات الذي ترعاه المواشي . والأحوى : أي : المائل إلى السواد ، مأخوذ من الحوّة - بضم الحاء مع تشديد الواو المفتوحة - وهي لون يكون بين السواد والخضرة أو الحمرة . ووصف الغثاء بأنه أحوى ، لأنه إذا طال عليه الزمن ، وأصابته المياه ، اسود وتعفن فصار أحوى . أي : وهو - سبحانه - وحده ، الذي أنبت النبات الذي ترعاه الدواب ، حالة كون هذا النبات أخضر رطبا . ثم يحوله بقدرته - تعالى - بعد حين إلى نبات يابس جاف . وهذا من أكبر الأدلة المشاهدة ، على أنه - تعالى - يتصرف في خلقه كما يشاء ، فهو القادر على تحويل الزرع الأخضر إلى زرع يابس جاف ، كما أنه قادر على إحياء الإنسان بعد موته . فالمقصود من هذه الآيات الكريمة ، الإرشاد إلى كمال قدرته ، وتنوع نعمه - سبحانه - ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وحتى يعود الكافرون إلى رشدهم بعد هذا البيان الواضح الحكيم . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى . إِلَّا ما شاءَ اللَّه . إِنَّه يَعْلَمُ الْجَهْرَ وما يَخْفى ) * . والنسيان : زوال ما كان موجودا في حافظة الإنسان . والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل . ومفعول المشيئة محذوف . جريا على غالب استعماله في كلام العرب . . أي : سنقرئك - أيها الرسول الكريم - القرآن على لسان أمين وحينا جبريل - عليه السلام - . وسنجعلك حافظا وواعيا لما سيقرؤه جبريل عليك ، بحيث لا تنساه في وقت من الأوقات ، أو في حال من الأحوال ، إلا في الوقت أو في الحال الذي يشاء اللَّه - تعالى - أن ينسيك شيئا من ذلك . فإنك ستنساه بأمره - تعالى - لأنه وحده - عز وجل - هو العليم بما كان ظاهرا من الأشياء ، وبما كان خافيا منها . فالمقصود من هاتين الآيتين : وعد اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم ببيان أنه - سبحانه - ، كما أنه قادر على أن يقرئ الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قراءة لا ينساها ، فهو أيضا قادر على أن يزيل من صدره ما يشاء إزالته ، عن طريق النسيان لما حفظه . فالمراد بهذا الاستثناء : بيان أنه - تعالى - لو أراد أن يصير الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ناسيا للقرآن لقدر على ذلك ، كما قال - سبحانه - ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . .